رغم تسارع الأحداث الهامة على الصعيد الخارجي والداخلي في تركيا، إلاَّ أنّه ما زال مشروع قناة إسطنبول يحتل مانشيتات الصحف التركية، ويثير جدلاً واسعاً في الأوساط التركية الداخلية، المشروع الّذي أُطلق عليه في تركيا اسم "مشروع أردوغان الجنوني" وقد وصفته المعارضة على لسان رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو بالخيانة والجريمة لطمس معالم أتاتورك، بينما قالت عنه الحكومة أنّه "مشروع العصر" والعمل الأضخم الَّذي سيتم إنجازه في تاريخ الجمهورية التركية.
فكرة المشروع تاريخيا
فكرة المشروع لا تعود للحزب الحاكم، ولا للرئيس رجب طيب أردوغان كما توحي أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري (Chp). فالفكرة صاحبة جذور ضاربة في التاريخ، تعود للقرن السادس عشر. فقد طُرحت مثل هذه الفكرة في فترة حكم السلطان سليمان القانوني مع وجود اختلاف بينهما لكن الهدف كان ذات الهدف؛ وهو إنشاء ممرّ مائي يربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود، ثمَّ عادت فكرة القناة إلى واجهة الأحداث بمقترح "لبولنت أجاويد" قبل الانتخابات المحلية في عام 1994، وعُرف المشروع باسم "مشروع ميغا" حينها، ليغيب بعدها حتى إعلان أردوغان عنه عام 2011، فعلى ماذا تستند المعارضة، وما هي حججها في رفض المشروع، وتجيّش الرأي العام ضدها؟
تحديات داخلية وخارجية.. هل يصمد المشروع؟
يواجه "حلم أردوغان" العديد من الصعوبات الداخلية والخارجية لاعتراض مساره، وتكمن الخطورة الأكبر في تعطيل المشروع، من الخصم السياسي التاريخي للعدالة والتنمية، حزب الشعب الجمهوري، الذي لا يتحفط على الفكرة فقط ويطلب المزيد من الاستفسارات عنها، بل يعتبرها خيانة للمدينة التاريخية، بحسب تعبير أكرم أمام أوغلوا رئيس بلدية إسطنبول.
يقول أوغلو إن شق القناة، يعني خسارة ملامح إسطنبول التاريخية، ولذلك سيرفض هو وحزبه بكل الطرق الممكنة تمرير التكاليف الكبيرة لتنفيذ المشروع، وبدلًا منه، يطالب باستثمار الأموال التي ستنفق عليه في مشاريع أخرى أكثر نفعًا على حد قوله، وهي فلسفة تتعارض بشدة مع رؤى أردوغان، الذي يصر على تنفيذ حلمه، كدليل على مرونة الاقتصاد في وجه التحديات الخارجية، فضلًا عن تحفيز المواطن التركي، لمشاركة الدولة لاحقًا مشقة إنشاء مشاريع عملاقة، مثل إطلاق الصواريخ الفضائية، ومنشآت الألعاب الأولمبية والخاصة بكرة القدم، والجسر إلى شبه جزيرة القرم وغيرهم.
المثير أن العديد من الدراسات البحثية، والباحثين الروس يؤيدون مشروع أردوغان بقوة، وعلى رأسهم الباحث في أكاديمية الاقتصاد الشعبي التابعة للرئاسة الروسية، سيرغي خيستانوف، الذي يرى في قناة إسطنبول، مشروعًا واعدًا، من وجهة نظر اقتصادية، ويوضح أنه يمكن للسفن المسجلة في دول البحر الأسود فقط عبور مضيق البوسفور دون مقابل، بينما مرور البقية يمنح تركيا إيرادات كبيرة.
لكن خيستانوف، يطلق العدد من التحذيرات في الوقت نفسه، التي ربما تقضى تأجيل الفكرة من وجهة نظره، فهو مشروع ضخم وطويل الأجل ويتطلب استثمارات ضخمة، وأمام الوضع الدولي الراهن، وتورط تركيا في صراع العسكري بسوريا، وضغوط العقوبات الأمريكية المتتالية، سيكون من الصعب للغاية، إيجاد الأموال اللازمة، ولاسيما أن الصين، الشريك الاقتصادي الأقوى لتركيا، والتي يمكنها الإفلات من العقوبات الأمريكية، لايوجد لها مصالح اقتصادية في منطقة البحر الأسود، ومن غير المرجح أن تقوم بذلك.
أما التحديات الخارجية، فتتلخص أولًا في تصاعد رفض المشروع من أمريكا ودول الجوار الأوروبي، والذين يثيرون العديد من المخاوف الجيولوجية، ما استدعى ردًا سريعًا من وزارة النقل التركية، التي نشرت بيانًا تشير إلى دراسات في تخصصات مختلفة، تشمل تحليل الزلازل والتخطيط الحضري والاقتصاد والتراث الثقافي والبيئة وإدارة المرور، أجريت في 33 قسمًا بمشاركة نحو 200 أكاديمي من عدة جامعات، بينها بوغاز إيجي، والشرق الأوسط التقنية، وإسطنبول التقنية، فضلًا عن أراء مؤيدة للمشروع من 57 مؤسسة ومنظمة معنية بتقييم الأثر البيئي، بحسب وكالة الأناضول.
وقد شهدت الأونة الأخيرة تصريحات لضباط متقاعدين بصدد تلك المسألة حيث اعتبر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان،أن بيانا أصدره ضباط متقاعدون ضد إنشاء قناة إسطنبول المائية بمثابة هجوم على الإرادة الوطنية، مذكرا ببيانات مماثلة سبقت الانقلابات العسكرية، بينما اعتقلت السلطات 10 منهم.
وقال أردوغان في مؤتمر صحفي إن ما قام به ضباط متقاعدون من البحرية هجوم على الإرادة الوطنية، ولا يندرج ضمن حرية التعبير، التي لا تشمل توجيه عبارات تهدد الإدارة المنتخبة، وأن البيان الذي أصدروه ناجم عن نوايا سيئة، وفق تعبيره.
كما اعتبر أردوغان أن كل هجوم على الديمقراطية في تركيا كان يبدأ ببيان مماثل للذي أصدره الضباط المتقاعدون، في إشارة للانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد.
وأضاف الرئيس التركي "الشعب سيرى من يقف إلى جانب الديمقراطية، ومن يقف إلى جانب الانقلابيين"، ووعد باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة.
وتابع أردوغان "لم نر هؤلاء الضباط إلى جانب شعبنا عندما نفذت منظمة غولن الإرهابية المحاولة الانقلابية"، معتبرا أن "معارضي مشروع قناة إسطنبول الذي يعزز السيادة الوطنية لتركيا، هم من أكبر أعداء تركيا".
كما أكد أردوغان أن حكومته ليس لديها أي نية حاليا للخروج من اتفاقية "مونترو" الخاصة بحركة السفن عبر المضائق التركية، وأنها تولي أهمية للمكتسبات التي حققتها تركيا من الاتفاقية، وستواصل الالتزام بها إلى حين تحقيق الأفضل.
واعتبر أردوغان أن مناقشة اتفاقية مونترو لا تكون بنشر بيانات، إنما عبر الفعاليات الأكاديمية، وقال "سيظهر لنا من سيحاول استغلال هذه المسألة لأغراض سياسية، وسنتحاسب مع هؤلاء في صناديق الاقتراع".