هل دخل الأتراك الإسلام بقوة السيف؟
أثناء خسارة الأتراك لموطنهم بل حتى أرواحهم فقد كان المسلمون ينهضون بالفتوحات الإسلامية ويسطرون ملاحم هنا وهناك، إذ أن جيوش الخلافة الإسلامية وصلت إلى سوريا، وحاصروا مصر وإيران.
الأتراك قبل الإسلام
يعرف العرب بمهارتهم في التجارة و التنقل من بلادهم لأبعد البلدان بالرغم من قساوة الصحراء وشح المياه إلى بلاد كالروم و أرض فارس كما عرفو قبل الإسلام بل حتى وصولهم إلى الهند فمهارتم في التجارة لا تقل عن مهارتهم في حمل السيف و ركوب الخيل إلا أن هناك شعوب كانت و إن لن تصل لمستوى العرب بالنسبة للخصائصهم السالفة الذكر فقد كان الأتراك هم الأخرين ملهمين بالتجارة دون أن يتنقلو من حيث يمكثون الشيئ الذي يفسر عدم معرفة أي حروب لهم بغض النظرعن المناوشات بينهم وبين الصينيين والتي تسببت في إنهزامهم و تشردهم دون موطن جراء فقدانهم لأراضيهم بشكل متتالي أثناء بزوغ شمس الإسلام فإلى جانب شغفهم بالتجارة فقد كان الأتراك والعرب يتشاركون في صفة الحياء و الوفاء بالوعود ولايعرفون الغدر .
ومن خلال التجارة التي تجمع العرب و الأتراك فإنه وحسب الروايات المتداولة فإن الخيمة التي مكث فيها الرسول، صلى الله عليه وسلم قد نسجة بأيادي تركية ، ويرجع ذلك خلال غزوة الخندق سنة 627 ميلادي. الشيئ الذي يتبث المعاملات التجارة بين الأتراك والعرب من سهول الشرق الأقصى في قارة آسيا إلى المدينة المنورة. وذلك خلال رحلاتهم التجارية على طريق الحرير. مع ذلك، لم يكن يمتلك العرب معلومات كافية حول الأتراك، بسبب بُعد المسافات بينهما.
وقد كان يحكم الأتراك آنذاك شخص يدعى "غوك تورك"، وكانت تمتد حدودهم من بحيرة بايقال إلى القرم، ومن سيبيريا إلى بلاد ما وراء النهر، وكان "غوك تورك"، أي ملكهم، والأتراك أنفسهم، يؤمنون بإله السماء، وبأنه يعمل على تنظيم أمور أهل الأرض، ويبذل كل ما في وسعه لحمايتهم. وكانوا يعتقدون أنه الإله الوحيد، الذي لا يشبهه شيء، فضلا عن أن هذا الإله خاص بهم فقط. ولذلك، كانوا يعتبرون أن كل من يموت منهم يدخل الجنة مباشرة، والتي كانت تمثل بالنسبة لهم المكان المستقر، والذي تتجول فيه أرواح موتاهم فهم كانو يؤمنون بوجود حياة ما بعد الموت خالدة شأنهم شأن ما جاء في عقيدة الإسلام.
وقد كانت مهمة الحاكم تتمثل في تنفيذ أوامر إله السماء من أجل حماية الأتراك ومصالحهم، وأن يفعل الخيرات، غير أن ذلك لم يكن ممكنا على الدوام، حيث كان يفشل البعض منهم في إدارة شؤون الأتراك، وهو ما يؤدي إلى استبدال الملك بآخر. وكانوا يطلقون على الملك السابق وصف "لم يكن مثل أبيه"، وذلك بعد إسقاطه عن عرشه.
وقد فقد الأتراك موطنهم نتيجة حربهم مع الصين التي كانت تجاورهم في الوقت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أبواب مكة ويرغب في دخولها، كان "إليغ خاقان" يحكم الأتراك. وفي تلك الفترة، تعرض هذا الملك لهزيمة نكراء من قبل الصين، أي في سنة 630 ميلادي، وسقطت نصف دولة "غوك تورك" الشرقية بين بيدي الصينيين، في حين صمد القسم الغربي منها 28 سنة، ليتم ضمها كذلك إلى الصين في سنة 658 ميلادي. ونتيجة لذلك، أصبح الأتراك بلا دولة.
بداية إنتشار الإسلام وصولا للأتراك
أثناء خسارة الأتراك لموطنهم بل حتى أرواحهم فقد كان المسلمون ينهضون بالفتوحات الإسلامية ويسطرون ملاحم هنا وهناك، إذ أن جيوش الخلافة الإسلامية وصلت إلى سوريا، وحاصروا مصر وإيران. وتجدر الإشارة إلى أن المسلمين كانوا يقاتلون بكل إيمان وعقيدة، إذ لم يستطع البيزنطيون ولا الساسانيون إيقافهم. وفي حقبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تقدم المسلمون نحو العمق الإيراني بعد معركتيْ القادسية ونهاوند، ووصلوا إلى حدود خراسان وباختر.
وفي الأصل فإن كل تلك الفتوحات السريعة في وقت وجيز قد جعل المسلمين العرب يصلون للحدود التركية، حيث بدأ الأتراك نوعا ما في التواصل والالتقاء بالمسلمين آنذاك. وقد قيل إن قائد الدولة الساسانية، يزدجر، قد فر هاربا نحو الأتراك بعد سيطرة المسلمين على دولته، في حين تشير بعض الروايات إلى أن الأتراك شاركوا أيضا في الحراك الذي حدث في خراسان وباختر بعد وفاة عمر بن الخطاب.
وخلال فترة استشهاد الخليفة عثمان بن عفان فقد شهد العالم الإسلامي حالة من الفوضى ، في الوقت الذي كان الأتراك يعانون جراء خضوعهم تحت الحكم الصيني ، لكن وضعهم لم يستمر على ذلك المنوال بشكل مطول ، حيث تمردو ثم انطلقوا نحو استعادة موطنهم. ولم تمض سنتان على استشهاد الحسين رضي الله عنه (680 ميلادي)، حتى استطاع الأتراك تأسيس دولتهم من جديد في 682 ميلادي.
ونتيجتا لذلك التمرد فقد تعطش الأتراك للغزو، وعملت هذه القوة الصاعدة في آسيا على استعادة حدودها، وتوسعت في الشرق والغرب، واستطاع كاباغان خاقان وأبناؤه استعادة كافة الحدود التركية والتوسع على نفس الرقعة الجغرافية السابقة و أكثر، وذلك خلال سنة 692 ميلادي. وفي ذلك الوقت، قال كاباغان خاقان جملته الشهيرة: "لم يتبق سوى القليل على وصولنا إلى البحر". ونتيجة لذلك، اقترب الأتراك مجددا من الحدود الإسلامية، ولكن، كان ذلك من الغرب هذه المرة، وعادت دولة "غوك تورك" للسيطرة على المناطق الممتدة من حدود سيبيريا إلى الصين ومما وراء النهر إلى القوقاز.
حرب الأتراك و المسلمين
وفي عهد الدولة الأوموية، فقد كان العرب يسعون لفرض الجزية على الأتراك ويحاولون السيطرة على مناطقهم، وهو ما لم يكن بداعي نشر الإسلام، بل لدواعي قبلية. وقد تغير هذا الأمر تماما مع وصول قتيبة بن مسلم ليصبح واليا على خراسان سنة 705 ميلادي، ولم يكن قد بلغ الأربعين آنذاك.
انطلق قتيبة بن مسلم نحو بيكنت، التي كانت تعتبر المركز التجاري الرئيسي في تلك المنطقة، وسيطر عليها فعلا. ومن ثم، توجه نحو بخارى، لكنه إصتطدم بالأتراك والذي لاق منهم مقاومة شرسة ، الشيئ الذي جعله يقوم بتأجيل فتح بخارى بعدما تعرض جيشه للإنهاك الشديد.
هل دخل الأتراك الإسلام بقوة السيف؟
وخلال سنة 722 ميلادي، قامت منازعات بين العرب والأتراك أثناء سقوط خراسان،إذ أن الأتراك وقفو في صف سكان المدينة الأصليين من أجل إعادة السيطرة عليها، وهو ما دفع بالوالي سعيد بن عمر للوقوف بحزم ضد الأتراك، وقتل العديد منهم في 722 ميلادي. وقد زاد ذلك من حدة حقد الأتراك على العرب، ومن حدة مقاومة الأتراك.
قام الخليفة العباسي، هشام بن عبد الملك بتوجيه رسول يدعو الأتراك لدخول الإسلام. ولكن حاكم الأتراك رفض هذه الدعوة . وقد كان الأتراك في تلك الفترة في مواجهة دائمة مع المسلمين في القوقاز. وقد انتصر جيش المسلمين على الأتراك في الحرب التي دارت مع أتراك الخزر سنة 737 ميلادي. وحينها، أرسل الخليفة بعض الفقهاء إلى الخزر من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وقد قبل خاقان الخزر بوجود رجال الدين ضمن دولته. نتيجة لذلك،بات الطريق مفتوحا أمام الأتراك لدخول الإسلام.
دخول الأتراك في الإسلام
وقد إستغرق اعتناق الأتراك لدين الإسلام فترة طويلة من الزمن كانت على امتداد 300 سنة . ويعزى هذا الأمر إلى أن التبادل الثقافي و التجاري بين الأتراك والمسلمين الذي حدث بشكل تدريجي وعلى امتداد وقت طويل. وبالتالي، لم يدخل الأتراك الإسلام رهبة من قوة السيف، وإنما عن طريق التعامل والتبادلات التي جمعتهم بالعرب. وفي سنة 740 ميلادي، انتهى حُكم الأمويين بوفاة زيد حفيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبعد 7 سنوات سقطت خراسان.
وقد استطاع العباسيون تأسيس دولتهم في سنة 750 ميلادي، ، ونقلوا مركز الحُكم من دمشق إلى بغداد. وفي الفترة ذاتها، خسر الأتراك حُكمهم في آسيا، حيث سيطر الأويغور على مناطقهم، في حين أخذ الصينيون يتقدمون بشكل تدريجي نحو الغرب،وقد وسعو رقعتهم لدرجة وصولهم لحدود نفود المسلمين.
التحالف التركي العربي ضد العدو الكلاسيكي
تواجه الصينيون مع جيش المسلمين بعد تأسيس الدولة العباسية بثلاث سنوات فقط ، وفي خضم هذه المعركة حدث أمر مفاجئ، حيث قرر الأتراك الوقوف في صف جيش المسلمين ضد الصينيين. ونجح الأتراك في دحر خطر الصينيين عن الحدود الغربية للدولة العباسية، الأمر الذي كان أشبه بمد جسر جديد للتواصل بين الأتراك والعرب.
ونتيجة لذالك، تعززت العلاقات التجارية بين الأتراك والعرب بشكل كثيف، في حين عمد الخليفة العباسي المنصور للاستفادة من الأتراك، كما وظف بعضا منهم ضمن حرسه الشخصي. وكانت الأولوية لمن دخل من الأتراك في الإسلام. وقد لجأ الخليفة للأتراك لقدراتهم القتالية العالية، وشارك العديد منهم في بعض المناوشات في المناطق التابعة للخلافة العباسية ضد أعدائها.
ونتيجتا لذلك فق دخل الكثير من الأتراك من قبائل قارلوق في الإسلام في عهد الخليفة المهدي، الذي زاد بدوره في توظيف العساكر الأتراك لحماية حدود عاصمة الدولة العباسية. كما استخدمهم في بعض المناطق الأخرى في بلاد ما وراء النهر وغيرها. وفي تلك الفترة، تعززت علاقات المصاهرة والنسب بين العباسيين والأتراك. وعلى مدار عدة سنوات، تمكن الأتراك من تولي مناصب رفيعة في عهد الخلافة العباسية.
النقطة الجوهرية لدخول الأتراك للإسلام
وعندما أسلم ستوق بغراخان حاكم الإمبراطورية القراخانية كانت نقطة التحول المفصلية في عملية دخول الأتراك في الإسلام ، وفور تولي بغراخان الحكم، دخل في الإسلام أكثر من 200 ألف عائلة في المنطقة التي كان يسيطر عليها، والتي يبلغ مجمل عدد سكانها مليون نسمة. ولم يكتف بغراخان بذلك، بل ساهم بنشر الإسلام في صفوف الأويغور، ليسلم عدد كبير منهم. كما نقل الإسلام نحو الهند، حتى أنهم نسبوا المسلمين الجدد إلى الأتراك وأطلقوا عليهم اسم "توروشكا".